الضغوط النفسية

إن المواقف المحدثة للضغوط النفسية هي تلك الأحداث أو التغيرات الحياتية الناجمة عن الإعاقة مما يؤثر علي نظام الأسرة ووظائفها. ولا ترتبط الضغوط النفسية بالموقف المحدث لها بقدر ما ترتبط باستجابة الأسرة وكيفية تقييمها لها.

ولما كان من المؤشرات علي الضغوط النفسية الاكتئاب والانسحاب الاجتماعي والحالة الانفعالية للأفراد والمشكلات في العلاقات الزوجية والصراعات الأسرية فإن الضغوط تقاس عادة من خلال قياس مستوي حدوث هذه المؤشرات.( منى الحديدي وآخرون، 1994: 10).

ويبدو أن هناك عوامل معينة من شأنها إما أن تضيف مزيدا من الضغط علي الآباء وتزيد من شعورهم بالإحباط واليأس من جراء ما قد ألم بهم من مشكلة وجود طفل معوق بين أفراد الأسرة أو أنها تقل من تأثير هذا الحدث علي حياتهم وأحد هذه العوامل هو المساندة الاجتماعية.

إن الآباء يعايشوا ردود فعل بغيضة لميلاد طفل معوق. فالآباء الذين يواجهون الموقف بضعف يجدون من الصعب أن يقدموا  العون لأزواجهم، وعندما يعايش الآباء الضغط ولا يحتملوه فإنهم يؤثرون الانسحاب من الأسرة.( سليجمان ودارلنج، 2000: 237).

وإذا ما كانت المساندة الاجتماعية تؤثر تأثيرا إيجابيا في خفض الضغوط الواقعة علي الفرد، إلا أن زيادة الضغوط تؤثر بشكل سلبي علي المساندة الاجتماعية وخاصة أن الناس يحاولون الابتعاد عن الأفراد الذين يقعون تحت ضغوط حادة( حسين فايد،1998: 162).

ليس من السهل أن يتحمل الإنسان مسؤولية أن يكون أبًا، أو أن تكون أمًا، ذلك أن مسؤولية الأبوة أو الأمومة من المسؤوليات الثقيلة والمعقدة، وتزداد هذه المسؤولية ثقلا وتعقيدًا إذا أصبح الإنسان-أبًا أو أمًا- لطفل متخلف عقليا علي سبيل المثال- أو معوق بأية إعاقة أخرى، ذلك أن الآباء والأمهات يتوقعون دائما أن يرزقا بطفل سوي، فإذا جاءهم طفل غير الذي توقعانه، كان ذلك بمثابة الصدمة للوالدين.

ويصف الباحثون في مجالات التربية الخاصة المشاعر التي يمكن أن يخبرها الآباء والأمهات لحظة اكتشاف إعاقة طفلهم فيرون أنها تكون مزيجا من الشعور بالخوف والألم، والشعور بالرجاء وخيبة الأمل، بالإضافة إلي مشاعر أخري من قبيل الشعور بالذنب، والارتباك والحرج، والعجز، والقصور.. وما إلى ذلك.

وفي ضوء ما سبق يمكن أن تقرر اكتشاف حالة تخلف عقلي في الأسرة تشكل صدمة للوالدين، ثم يترتب علي تلك الصدمة مشكلات وتأثيرات لا يمكن التغاضي عن آثارها النفسية نظرا لما تتركه من جروح نفسية عميقة لدي كل أفراد الأسرة.

وتنقل " سمية جميل"(1998: 3) عن كرينيك وآخرون(1983: 133) أنه لا يوجد مكان يتأثر لوجود طفل معوق أكثر من الأسرة، فإن ولادة طفل متخلف تمثل ضغطا له قيمة داخل الأسرة مسببا ذلك صدمات عديدة تؤثر علي التفاعل الأسري وتؤدي إلي حدوث تغيرات في حياة أعضاء الأسرة.

من ناحية أخري أصبحت كلمة الضغوط النفسية Psychological Stress من الكلمات شائعة الاستخدام لدي الإنسان العادي والشخص المتخصص، وأصبحت تشكل جزءا من مفردات العصر الحاضر، وارتبطت طبيعة الحياة المعاصرة بزيادة الضغوط وأصبح لفظ الضغوط النفسية مصطلحا أساسيا في مجالات عديدة كالطب، والطب النفسي، وعلم النفس وعلم الاجتماع، ومجال التربية الخاصة وغيرها..

ومما لاشك فيه أن ثمة علاقة بين الوقوع تأثير ضغوط مختلفة وولادة طفل متخلف عقليا داخل الأسرة؛ لأنه من المعروف أن من أسباب حدوث الضغوط: الشعور بالإحباط والصراع، والشعور بالتهديد؛ وكل التفاعلات التي تتم تحت الشعور بالضغط لا بد أن تتأثر بشكل أو بآخر- بطبيعة وحدة واستمرارية هذا الضغط- لذلك يذكر" بريمبل كومب" Brimble Combe, أن والدي المعوقين يقعون في دائرة الضغوط النفسية العادية – مثل أي أسرة – بالإضافة إلي مصادر ضغوط غير عادية ممثلة في الضغط الناجم عن الحياة مع ابن متخلف عقليا. ومن هنا حدد الباحثون عنصرين اثنين يشكلان أي موقف ضاغط هما: مصادر الموقف الضاغط، والاستجابة لهذا الموقف.

ويدور البحث الحالي حول هذين العنصرين إذ أن ولادة طفل معوق بصفة عامة، أو متخلف عقليا بصفة خاصة، هو أحد المصادر الكبرى للمواقف الضاغطة، وتباين استجابات أفراد الأسر ذوي الأطفال المتخلفين عقليا هي التي تشكل بكل تأكيد العنصر الثاني. وقد اختار الباحث فحص العلاقة بين مصدر الموقف الضاغط ممثلا ولادة طفل معوق، ومتغيرات أخري شخصية واجتماعية أريد الوقوف من خلالها علي طبيعة العلاقة سلبا أو إيجابا- بينها وبين هذا المصدر            

 

 

الضغوط النفسية لدي أولياء أمور المعوقين:

   تعبر الضغوط النفسية لدي أولياء أمور المعوقين عن ذلك التأثير السيئ الذي يحدثه وجود طفل معوق ( وما يتسم به من خصائص سلبية) لدي الوالدين فيثير لديهم ردود فعل عقلية وانفعالية أو عضوية غير مرغوبة؛ تعرضهم للتوتر والضيق والقلق والحزن والأسي، كما قد يعانون من بعض الأعراض النفسية الجسمية التي تستنفذ طاقاتهم وتحول دون قدرتهم علي التركيز فيما يقومون به من أعمال ( عبد العزيز الشخص وزيدان السرطاوي ، 1998: 6 ).

فالضغوط الأسرية ترتبط بتعرض الأسرة لحادث ضاغط يؤثر علي حياتها، ويجعلها في حالة عدم توازن وارتباك وذلك بما يفرضه عليها من ممارسات مفاجئة، وغير متوقعة تحتاج إلي إعادة تنظيم شامل لحياتها، وتستمر حالة عدم التوازن إذا لم تتحرك الأسرة بطرق فعالة لمواجهة هذه الضغوط ( سمية جميل، 1998: 51).

وبناء علي ما سبق فان العناصر الرئيسية التي تشكل الضغوط النفسية لدي والدي الأطفال المعوقين، تتمثل فيما يلي:

1-     مصادر الموقف الضاغط:

              ومصادر الضغوط تعني كل ما يعرض الفرد للضغط سواء أكانت تلك المصادر بيئية أو عضوية:( Shaw,et al.,1981:1)   فمصادر الضغوط هي عبارة عن مثير له إمكانية محتملة في أن يولد استجابة المواجهة أو الهروب من شخص معين (عادل الأشول ،1993 :15).

ولقد أسفرت دراسة كل من عبد العزيز الشخص وزيدان السرطاوي(1998: 17) التي هدفت إلي فحص عدد من الدراسات حول مصادر الضغوط النفسية علي آباء الأطفال المعوقين، عن أن من أهم هذه المصادر: متطلبات الحياة اليومية، والرعاية طويلة المدى للطفل المعوق، ووصمة العار التي يتعرضون لها، والشك الطويل المدى سواء في تشخيص حالة الطفل أو بين الوالدين بعضهما البعض، واختزال العلاقات الاجتماعية لهما، والافتقار إلي الدعم الاجتماعي، وعدم توافر المتخصصين، والمشكلات الشخصية لكل من الوالدين، ومشكلات التوافق الأسري، والافتقار إلي معلومات حول المعوقين والخدمات المتاحة لهم.

كما أوضحت نتائج دراسة حسن عبد المعطي(1993: 132) حول مصادر الضغوط الوالدية لدي والدي الطفل المعوق بصريًا، أن مصادر هذه الضغوط تتمثل في : ضغوط المشكلات النمائية والسلوكية للطفل، وضغوط علاج الطفل، وضغوط تعليمية، وضغوط متعلقة بمستقبلهم ،بالإضافة إلي الضغوط الانفعالية والتوافق الأسري، والضغوط الاجتماعية للأسرة.

وقد أورد جاك ستيوارت استيورت( 1996: 176-177) ما ذكره هوف  Hoff من أن الأزمات التي يتعرض لها آباء الأطفال المعاقين بصريًا التي تشكل ضغوطاً عليهم لا تقتصر فقط علي اكتشاف الإعاقة ،وإنما تظهر في أوقات عديدة، منها: حين يدخل الطفل المدرسة ولا ينجح في الصف العادي، وحين تظهر علي الطفل مشكلات سلوكية غير مألوفة لنوع الإعاقة، وحين يمثل الطفل عبئاً ثقيلاً لا يطاق مع افتقار الآباء لمصادر رعايته، وحين يُرفض الطفل من المجتمع، وحين يصل لمرحلة المراهقة.

أما سمية جميل (1998 :54) فقد حددت مصادر الضغوط الأسرية الواقعة علي الأسرة التي لديها طفل معوق فيما يلي:

×    الضغوط الوالدية المتعلقة بخصائص الابن المعوق ومنها: تأهيله ودرجة استقلاليته، والمشكلات السلوكية،والعزلة الاجتماعية، ومعامل الذكاء، وعمره ، وحالته الصحية.

×    الضغوط التي تتعلق بخصائص الوالدين ومنها: الوقت الإضافي المطلوب لرعايته، والعزلة الاجتماعية ،والعلاقات الأسرية، والتوافق الزواجي، وكبر سن الوالدين، وحالتهم الصحية، وعدم اقتناع الوالدين بالخدمات المقدمة لابنهما في المجتمع.

×   الضغوط الواقعة علي الأخوة العاديين للطفل ومنها: تحمل أعباء زائدة، والشعور بالإهمال من قبل الوالدين، والشعور بالأبوة، والعلاقات الأسرية والعزلة الاجتماعية.

ويضيف عبد المطلب القريطي (1999 :52) عددًا آخر من المصادر التي تولد ضغوطاً علي والدي الطفل المعوق ، والتي من بينها: ما تنطوي عليه الإعاقة البصرية من بطء شديد في النمو، الشخصي والاجتماعي، وعدم اكتراث بالمعايير الاجتماعية..، وما تعوزه من تدابير وترتيبات خاصة وجهود إضافية لإشباع الاحتياجات الجسمية والعقلية والنفسية والاجتماعية للطفل وغالباً ما تعجز الأسرة بمفردها عن الوفاء بها.

ومن نماذج الضغوط التي يتعرض لها والدي الطفل المعوق بصريًا، ويكون لها تأثير علي حياتهما، وتؤدي إلي تفاقم حدة التوترات داخل النسق الأسري، وسوء التوافق ما يلي:

 (أ)  الضغوط المالية:

يكلف الطفل المعوق بصريًا الوالدين الكثير ،فالعناية الطبية والعمليات الجراحية، والأدوات الخاصة بالإضافة إلي الرعاية اليومية، المواصلات واللباس، وكل ذلك يعمل علي استنزاف موارد الأسرة المالية، ويشكل عبئاً مالياً عليهم، ولصعوبة توفير الضمانات المالية ،والمادية فإن ذلك لا يسهل تعايش الوالدين وتكيفهما، وبالتالي فهما أكثر تعرضاً للمشكلات الاقتصادية، كلما بذلا جهدا لسداد تكلفة الخدمات اللازمة.(جمال الخطيب، محمد الحسن ،2000 :4)

 وهكذا فإن الزيادة في تكاليف العناية بالطفل ذي الإعاقة وتوفير احتياجاته المالية، إضافة إلي تكلفة العلاج والتأهيل قد لا يكون في مقدور الأسرة توفير جميع تلك المستلزمات ومتطلباتها لطفلها المعوق بصريًا، الأمر الذي يسبب ضغطاً إضافياً ومضاعفاً عليها (أحمد الأنصاري،1996 :27) ليس هذا فحسب، بل إن ضغوط العجز المالي تؤثر علي تقدير الآباء لذواتهم وعلي حالتهم المزاجية ،كما تؤثر في النظرة التي ينظرون بها إلي أنفسهم كموفرين للحماية والدعم لأطفالهم ،إضافة إلى أن مقدار الضغوط التي يستشعرها الوالدان تؤثر في درجة اندماجهم وتكريسهم لأوقاتهم ومجهوداتهم لصالح أبنائهم، وفي أساليب تنشئتهم لهم، وفي النسق القيمي الذي يحرصون علي تعليمه لأطفالهم (روزماري وديبي مورنج،2000 :148).

ولذلك تؤثر الحالة الاقتصادية للأسرة في طريقة قيامها بوظيفتها، فالفئات الاجتماعية الفقيرة تكون أكثر عرضة من غيرها للضغوط والمعاناة، وأقل مقاومة للمشكلات الإضافية التي يفرضها ميلاد طفل معوق (فايز قنطار،1992 :189).

 

(ب)  الضغوط الاجتماعية:

من بين أهم الضغوط التي يعاني منها آباء الأطفال المعوقين بصريًا ،الشعور المرير بالحرج والحساسية وعدم الارتياح في المواقف والمناسبات الاجتماعية نتيجة التباعد الملحوظ بين مستوي أداء الطفل المعوق بصريًا وأداء أقرانه العاديين، إضافة إلي الانطباعات السلبية عن حالته لدي الأصدقاء والمعارف، مما يدفع بالوالدين إلي تجنيب الطفل هذه المواقف والمناسبات فيزداد شعورهم بالوحدة والعزلة والإحباط (عبد المطلب القريطي، 1999: 53).

فالوالدان يشعران بالضغط عندما يسترعي سلوك الطفل انتباه الآخرين، وبالرغم من أن معظمهم يحاولون تفسير عجز الطفل للأصدقاء والغرباء، فإن بعضهم يسيطرون علي مشاعرهم ولا يقولون شيئاً، أو يتحركون بعيداً عن المواجهة المحزنة، وقد تبين أن هناك بعض المواقف الاجتماعية التي ينتج عنها ضغوط نفسية شديدة علي الوالدين أكثر من غيرها ومنها:   

(1)  المناسبات الاجتماعية الرسمية ،حيث لا ينسجم الطفل مع الأطفال العاديين.

(2)  الدعوة إلي بيوت الآخرين، حيث يكون توجيه سلوك الطفل صعباً.

(3)  الأماكن العامة حيث يكون التحكم في السلوك مشكلة.

(4)  الأماكن المقيدة التي لا تسمح للطفل بالحركة، ولا للوالدين بالانسحاب من المواقف.

(5) المواقف الاجتماعية ،حين يدخل الطفل في أشكال منحرفة من السلوك عند التفاعل مع الآخرين           ( م. سيلجمان ور.دارلنج، 2000: 104-105).

وهكذا يترتب على ما سبق، عزلة الأسرة كنتيجة لما تكون قد واجهته في موقفها التطوري من استجابات الآخرين نحوها،ومن ثم نجد والدي الطفل قد لا يشاركان في الأنشطة الاجتماعية، وقد لا يصطحبا طفلهما إلي الأماكن العامة في أغلب الأحيان ،وأكثر من ذلك، فإن والدي الطفل المعوق بصريًا قد لا توجه  إليهما الدعوة إلي زيارة الآخرين، كما أنهما نادراً ما يدعوان الآخرين لزيارتهما (فتحي عبد الرحيم،1990 :219-220).

(ج) الضغوط الوظيفية:

إن من عوامل إثارة الضغوط التي تواجه الزوجين، ما ينشأ من تعارض أو صراع بين الأدوار الأسرية والأدوار التي تفرضها الحياة الخارجية المختلفة، فقد ينشأ مثلاً نوع من التنافر بين دور الشخص كزوج أو أب والأدوار التي تفرضها المهنة التي يقوم بها، أو بين دور الزوجة أو الأم والأدوار التي تفرضها الاتجاهات الخارجية سواء ما يتصل منها بالعمل أو النشاط الاجتماعي (محمود حسن،1981 :211) وإذا كان الأمر علي هذا النحو بين الزوجين اللذين يعيشان حياة طبيعية، فما بالنا بما يمكن أن يفرضه الطفل المعوق بصريًا من احتياجات ورعاية من نوع خاص، ومتابعة طبية وبرامج تعليمية مختلفة وإعداد مهني متخصص.

إن أحد مصادر الضغوط النفسية والانفعالات والمشاعر السلبية لدي الأمهات هو صراع الأدوار ،الذي يتطلب منهن مسئوليات ويفرض عليهن واجبات وأعباء بسبب وجود الابن المعاق ، يضاف إلي ذلك محاولة التوفيق بين مقتضيات دورها كزوجة وربة منزل، وفي الوقت نفسه تحقيق الترابط الأسري من حيث علاقتها بزوجها وأبنائها وعلاقة الأبناء ببعضهم البعض، وما يصاحب ذلك من مشاعر الخوف والقلق من عدم قدرة الأم علي الحفاظ علي كيان الأسرة وتكاملها( عبد الفتاح دويدار،1998 :149).

وهذا ما قد أكده ميتلر وماكوناشى Mitteler,P.& Mcconochie,H. (1983: 196-197) حين ذكرا أن من أهم الأحداث الضاغطة التي تؤثر علي الأمهات وتجعلهن يشعرن بالتوتر والإحباط ،هو اضطرار البعض لترك عملهن بسبب ما تفرضه إعاقة طفلهن من الحاجة إلي مزيد من الوقت لرعايته، حيث تشعر تلك الأمهات بصعوبة الجمع بين العمل ورعاية ذلك الطفل بسبب الاحتياجات المتزايدة لهذا الابن.

 (د) الضغوط الانفعالية:

إن وجود طفل معوق في الأسرة يضاعف الضغوط الأسرية ويصبح بداية لسلسلة من الهموم النفسية التي لا تحتمل، وتبادلاً للاتهامات واختلاف الأداء، ولوم الذات والآخرين ويزيد من سيادة نزعات التشاؤم والانكسار النفسي، وتحطيم الثقة في الذات، وتعطيل للإرادة ، فوجوده يهدد الاستقرار الانفعالي للأسرة.(شاكر قنديل،1996: 625).

وذهب البعض إلي أن ما تتعرض له بعض أمهات الأطفال المعوقين من سوء التوافق،  قد يرجع إلي ارتفاع مستوى الضغط النفسي الناتج عن إعاقة أحد الأبناء، يتضح ذلك من خلال ما يلاحظ من تعرض هؤلاء الأمهات إلي الكثير من الأمراض التي تجعلهن يترددن علي الأطباء، وكذلك شعورهن المتزايد بالإرهاق نتيجة عدم أخذهن قسطاً من الراحة .(Wallander,J. et al.,1990:819)

إن مولد طفل معاق عقليًا، قد يولد الشعور باليأس والقلق والذنب لدي الأسرة، وقد يصبح في نظر كثير من الآباء رمزاً لنوع من التعب حل بالأسرة، لما يكون قد ارتكبه الأب أو الأم من ذنوب وآثام ،ويصبح تهديداً لآمال الآباء بالنسبة لأبنائهم في مثل هذه الحالات، قد يرفضوا الطفل ولا يتقبلونه، ويصبح منبوذا ً منهم، وقد ينكرون التخلف العقلي عنده، وقد نجد آباء آخرين أقل قلقًا وشعورًا بالذنب ( جمال حمزة، 1992: 169).

(هـ) الضغوط المعرفية (نقص المعلومات):

يحدث في أعقاب تشخيص إعاقة الطفل أن الضغط الذي يتحمله آباء الأطفال يؤدي إلى طرح أسئلة كثيرة عن الأبعاد الحقيقية وشدة إعاقة الطفل، وتختلف طبيعة تلك الأسئلة التي يطرحها الآباء وفقا للمتغيرات التي لها تأثير علي الأسرة، ودرجة الإعاقة العقلية، ومستوي إدراك الآباء وفهمهم لظروف طفلهم وقدرتهم علي التغلب علي الأعباء غير المتوقعة والمستمرة.( جاك ستيوارت، 1996: 198- 199).

وتعد قلة المعلومات بشأن طبيعة المشكلة التي يعاني منها الطفل وأسبابها وكيفية التعامل معها، والتفكير المستمر في مآلها، والبحث عن حلول لها. من بين أهم الضغوط التي يعيش تحت وطأتها آباء وأسر الأطفال المتخلفين عقليا، هذا إلي جانب عدم المعرفة بمصادر الخدمات المتاحة، وبرامج الرعاية العلاجية والتعليمية والتدريبية والتأهيلية المتوفرة.( عبد المطلب القريطي، 1999: 52- 35).

وقد كشفت نتائج الدراسة التي أجراها جمال الخطيب ومحمد الحسن( 2000: 1- 15) أن الحاجة للمعلومات جاءت في مقدمة الحاجات الأكثر أهمية من وجهة نظر آباء الأطفال المعوقين وأمهاتهم، وقد فسر الباحث ذلك بسببين أولهما: افتقار البيئة العربية للكتابات المرشدة لوالدي الطفل المعوق، والسب الثاني: يرجع إلي محدودية الخدمات التي تقدمها المؤسسات والمراكز ذات العلاقة في تزويد أولياء الأمور بالمعلومات من خلال الدورات والندوات وغير ذلك من الطرق التي تكشف عن طرق التعامل مع سلوك الطفل وكيفية تعديله وطرق حل المشكلات المتعلقة بالطفل، والأساليب التي من شأنها أن تنهي قدراته المحدودة وما يجب أن يتوقعاه في المستقبل.

2- استجابة الوالدين للضغوط النفسية:

لقد أوضح حسان قميحة وآخرون(1992: 342) أن الاستجابة للضغوط النفسّية تمر بخمسة مراحل، هي:

أ- مرحلة معاناة الضغوط: وتبدأ عندما تحدث ضغوط الحياة- مهما كان نوعها- لشخص ما لديه مشكلة سابقة يقوم بحلها، فإن هذه الضغوط تتنامي خصوصًا عندما تصبح آليات الدفاع غير كافية.

ب- مرحلة ازدياد القلق والتشتت: قد يعقب ذلك مرحلة الضغط والشدة مما قد يزيد اضطراب السلامة الوظيفية والقدرة علي حل المشاكل ومواجهة الصعاب.

ج- مرحلة فقد القدرة علي التكيف: قد يؤدي إلي زيادة الشعور بالضغط والشعور بالضعف وافتقار العون، وقد يرافق ذلك اكتئاب وخوف ثم يزيد من التشتت.

د- المحاولات الاندفاعية الخاطئة واليائسة أحيانا لاستعادة التوازن: تتخذ مسارا ملتويا وقد يعيد التوازن الجديد استقرار الفرد، وينقص من تفكره وعدم ارتياحه، لكن يبقي ذا سلوك لا تكيفي، فمثلاً قد ينقص الفرد من قلقه والكوابيس التالية لذلك الضاغط بتعاطي الكحول والذي ينتهي بمضاعفات جسمية واجتماعية ومهنية.

هـ- مرحلة طلب المساعدة: قد يطلب الفرد العون في أي وقت خلال هذه المرحلة وفقا لاستجابته والقرائن أو الظروف الاجتماعية الراهنة.

هذا وتعتمد طبيعة استجابات الأسرة للإعاقة علي عدد من العوامل من شأنها مساعدتهم علي التعايش مع الأزمنة التي تسببها الإعاقة، ومن أهم هذه العوامل:

أ‌-             العوامل الانفعالية: والتي تتمثل في العلاقات التي تربط بين أفراد الأسرة فكلما كان أفراد الأسرة أكثر ارتباطا ببعضهم البعض، وأكثر تماسكا، كانت القدرة علي التعايش مع الإعاقة أكبر.

ب‌-        العوامل الاجتماعية: والتي تتمثل في الدعم الذي تتلقاه الأسرة من الأقارب والأصدقاء والجيران والزملاء في العمل وغيرهم. إن دعم هذه الأطراف لأسرة الطفل من شأنه أن يسهل عليها عملية التعايش مع حالة الاعاقة.

ت‌-        العوامل الجسمية: وتشمل الأوضاع الصحية لأفراد الأسرة. فليس من شك في أن معاناة الوالدين أو أفراد الأسرة الآخرين من أمراض مزمنة أو مشكلات طبية سيجعل مهمة التعايش مع الأزمة التي تنجم عن إعاقة الطفل أمرا بالغ الصعوبة.

ث‌-        العوامل المالية: إذ أن الإعاقة قد تستنزف موارد الأسرة المالية، ولذلك فإن عدم توافر الإمكانيات المالية الكافية قد يترتب عليه ضغوط تثقل كاهل أسرة الطفل المعوق.( مني الحديدي وآخرون، 1994: 9).

وقد استعرض فولكمان وآخرون  Folkman,et al فيما يشير عبد العزيز الشخص وزيدان السرطاوي      (1998: 23) إلي خمسة مجالات لمصادر مواجهة والدي الطفل المعوق للضغط النفسي الناجم عن الإعاقة، تتضمن:

(أ‌)                 مستوي الصحة والطاقة والأخلاق للفرد؛ مثل التأهب العقلي المبدئي، والإحباط، والإعاقات البدنية، والاستعداد للاضطراب النفسي.

(ب‌)            مهارات حل المشكلة؛ مثل مهارات التجريد والتحليل والتعميم التي تمكن الفرد من تحليل المواقف وتعميم الأنشطة البديلة.

(ت‌)            شبكة العلاقات الاجتماعية؛ التي تعكس نظم الدعم الاجتماعي سواء الحقيقية أو المدركة المتاحة للفرد.

(ث‌)            مصادر الدعم المادي المتاحة؛ مثل المستوي الاقتصادي الاجتماعي، والدخل المادي، وبرامج التدريب المتاحة، والوكالات والجمعيات الاجتماعية المؤثرة أو المعاونة.

(ج‌)                المعتقدات العامة والخاصة؛ مثل الاعتقاد بالكفاءة الذاتية، أو الالتزام بالدين واللجوء الي الله، والاعتقاد في قدرة الدولة علي توفير الدعم اللازم.

 

 

 

 
تصميم وبرمجة استضافة جروب نت